السيد محمدحسين الطباطبائي

55

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

ف الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ * هو الطريق الواضح المؤدّي إلى المطلوب ألبتّة . وأمّا كونه أقرب الطرق لكون الخطّ المستقيم أقصر الخطوط الموصلة بين نقطتين فكلام شعريّ في هذا المقام وإن كان برهانيّا أو متلقّى بالقبول في مقام آخر . نعم ، بيّن سبحانه كون صراطه المستقيم أقرب الطرق إليه ببيان آخر سبقت الإشارة إليه . واعلم أنّه سبحانه على أنّه نصب في كلامه لنفسه صراطا وسبيلا وكرّر ذكر صراط اللّه وسبيل اللّه ، لم يعدّ لنفسه أزيد من صراط واحد مستقيم ، وعدّ لنفسه سبلا كثيرة ، فقال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ، « 1 » ولم ينسب الصراط المستقيم إلى غيره من خلقه غير ما في هذه الآية صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ، ونسب السبيل إلى غيره ، فقال عزّ من قائل : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ ، « 2 » وقال تعالى : سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ، « 3 » وقال تعالى : سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ . « 4 » ويعلم من ذلك أنّ السبيل غير الصراط المستقيم ، وأنّه يختلف باختلاف أصناف المتعبّدين ، دون الصراط المستقيم كما يشير إليه قوله سبحانه : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، « 5 » فجعل اتّباع رضوانه

--> ( 1 ) . العنكبوت ( 29 ) : 69 . ( 2 ) . يوسف ( 12 ) : 108 . ( 3 ) . لقمان ( 31 ) : 15 . ( 4 ) . النساء ( 4 ) : 115 . ( 5 ) . المائدة ( 5 ) : 15 و 16 .